فصل: مسألة حبس دارا له على أقاربه اثنا عشرة سنة ثم مات بعد شهرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة حبس حبسا دارا له على رجل حياته فبنىِ في الدار مسكنا ثم مات:

ومن كتاب اغتسل على غير نية:
وسئل عن رجل حبس حبسا دارا له وأرضا على رجل حياته فبنىِ في الدار مسكنا أو غرس في الأرض نخلا، ثم مات، فقال: إن أَرْضى صاحبُ الدار ورثة الرجل فذلك له وإلّا قلعوا نخلهم وأخذوا نقضهم من الدور.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والكلامُ عليها مستوفى فيما تقدم في هذا الرسم في بعض الروايات فلا معنى لِإعادته وبالله التوفيق.

.مسألة حبس جارية له على أخته وأمه حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث:

ومن كتاب البَزِّ:
قال: وسئل مالك عن رجل حبس جارية له على أخته وأمه حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأيهما ماتت قبل صاحبتها فهي على الباقية منهما، فماتت أخته فأراد أن يُبَتِّلَها لأمه تبيعها أو تَصْنَعُ بها ما شاءت، قال: أرى ذلك له إن شاء بعد تفكره فيها، وكأنه لم يرها من ناحية الدور، قال ابن القاسم: ولو أن رجلا حبس دارا أو أرضا ثم أراد أن يفعل ذلك لم يكن ذلك له إلَّا أن يكون اشترط أن مرجعهما إليه فهو يجوز أن يفعل ذلك، ويفعله في غيرهما بعدهما إن أراد ذلك.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز له أن يُبَتِّلَهَا لأمه لأنه رأى أنها ترجع إليه بعد موتها ملكا مطلقا، ولا ترجع بمرجع الأحباس كالدور، وهو معنى قوله: ولم يرها من ناحية الدور، وإنما لم يرها كالدور لأنه رأى التحبيس المعقب المحرم فيها مكروها، واستحب له أن يَصرِفَهُ إلى ما هو أفضل منه، فرأى تبتلها لأمه أفضل لما في ذلك من البر بأمه، ورفع الضرر عن الجارية ما يُرجى لها من العتق، وهذا هو معنى ما في كتاب ابن المواز من قوله في هذه المسألة وكأنه رآهُ من ناحية البِرِّ وفي رسم استأذن من سماع عيسى بعد هذا أنها ترجع بمرجع الأحباس كالدور، وقد مضى الكلام على هذا المعنى وما يتعلق به مما هو من معناه شي أول مسألة من الكتاب وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق بدار له حبسا على ولده وولد ولده:

وسئل مالك عن رجل تصدق بدار له حبسا على ولده وولد وَلَدِه فخرج إنسان منهم إلى بعض البلدان ثم قدم فأراد أن يسحَن الدار ويخرج له بعض من يسكنها من منزله الذي كان يسكنه، قال مالك: إن كان خرج في تجارة أو في طلب حاجة فإني أرى ذلك له، وإن كان انقطع إلى بعض البلدان ثم بَدَا له فرجع لم أر لَهُ أن يُخرَجَ له من منزل كان يسكنه أحد ممن يسكنه.
قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك، وما قال ابن القاسم في المدونة يبين قوله المتقدم في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم، وقد ذكرنا ذلك هنالك وَمَا يمكن أن يُقَامَ من قوله في المدونة، وقال علي في روايته: إن غاب مُسْجَلٌ، ولم يذكر ما قال ابن القاسم وهذا في السكنى، وأما في فضلة الكراء والغلات من الثمرة وغيرها فإن حق من انتجَعَ وغاب لا يسقط وإنما يسقط عنه السكنى إذا لم يكن فيه فضل، قاله مالك في النوادر، وقال ابن القاسم فيها وأما ذلك فيمن حبس على ولده أو لد فلان أو آل فلان، فأما على قوم بأعيانهم ممن ليس على العقب فإن حق من انتجع منهم ثابت في السكنى وهم فيه على السواء حاضرهم وغائبهم وفقيرهم وغنيهم، وبالله التوفيق.

.مسألة حبس دارا له على أربعة نفر من ولده:

وسئل عن رجل حبس دارا له على أربعة نفر من ولده وشرط في حبسه أن من مات منهم من ولده فولده على مصابته من الحبس، فمات اثنان منهم وترك أولادا فكان الأخوان منهما لا أولاد لهما، ثمِ مات أحد الباقين ولا ولد له فلمن ترى نصيبه؟ قال: أرى أن يرجع حبساَ على جميع ولد إخوته الميتين وأخيه الباقي وُيخَصّ بذلك أهل الحاجة منهم دون الأغنياء، ولا تكون فيها قسمة وأرى أن يؤثر أهل الحاجة منهم من ولد بني الأخ والأخ.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لما شرط أن يكون حظ من مات منهم لولده رجع الحبس بذلك معقبا على غير معينين، وكان الحكم فيمن مات منهم وَلَا ولد له أن يرجع حظه على جميع من في الحبس من أهل الحاجة كمن حبس على ولده وعقبهم وفيهم غني ومحتاج أن الحبس يقسم على أهل الحاجة من الأخ وبني الأخ دون الأغنياء منهم، ولا يقسم عليهم بالسواء، وهو الذي أراد بقوله ولا يكون فيها قسمة، وقد قيل إن الحبس المعقب يقسم على السواء بين الغني والفقير وقيل إنه يبدأ الأقرب على الأبعد وقد مضى بيان ذلك كله وتحصيله في آخر أول رسم من السماع فلا معنى لِإعادته وبالله الموفق.

.مسألة حبس دارا له على ولده وشرط أن من تزوج من بناته فلا حق لها:

ومن كتاب أوله: نَذَرَ سَتَة يَصُومُهَا:
وسئل مالك عن رجل حبس دارا له على ولده وشرط أن من تزوج من بناته فلا حق لها إلا أَن تَرُدَهَا رَادَّة أترى أن يُنْقَضَ ذلك وَينْحَل الحبسُ، قال: نعم، إني لأرى ذلك وجهَ الصواب، وكأنه أعجبه نقضه.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقولُ فيها في أول رسم من السماع فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

.مسألة يحبس دوره على ولد له صغار فيشترط أنه القائم بأمرهم حتى يبلغوا:

وسئل عن الرجل يحبس دوره على وُلْدٍ لَهُ صِغَارٍ فيشترط أنه القائم بأمرهم حتى يبلغوا، قال: إني لأكره ذلك، قال ابن القاسم وقال مالك: وإذا لم يشترطه وكان الولد صغارا فلا بأس به إذا لم يكن فيهم كبير قد بلغ حد الرضى.
قال محمد بن رشد: وقع في كتاب التفسير قال يحيى: قلت لابن القاسم لِمَ كَرِهَهُ مالك؟ قال: لأنه قد اشترط في حبسه ملكا له ثابتا يحكم به في ذلك الحبس حَتَى يموت، قلت: وما بأس ما اشترط من ذلك؟ قد كان له بلا شرط، أَلَا ترى أنه الحائز على ولده والقائم لهم بلا شرط؟ مثل ما اشترط لم يزدد بشرطه المُشْتَرَط شيئَاَ على ما كان يصنعه بغير شرط، قال: سأله عنه ابن أبي موسى فنهاه عنه وكرهه، قلت أرأيت إن وقع الأمر به، فمات وولده أصاغر أيفْسِدُ هذا الشرطُ شيئا من حوزه عليهم؟ قال: لا بل أجير الصدقة، وإنما كره له الشرط فإن وقع لم تفسُدْ الصدقة، هذا نص مَا وَقَعَ في كتاب التفسير، فقال بعض أهل النّظَرِ هذه كراهية لا وجه لها؛ لأنه اشترط ما يوجبه الحكمُ له، واشتِرَاطُ ما يوجبه الحكم لا وجه لكراهيته.
والكراهيةُ فيها بينة لوجهين أحدهما: أنه لما شرط أنه القائم بأمرهم فقد منع نفسه ما كان له جائزا من أن يُولِي غيرَه يقوم به لهم، والثاني: أنه قد اشترط أنه القائم بأمرهم حتى يبلغوا، وبلوغهم لا يكون في وقت واحد فكان قد اشترط في ظاهر أمره ألّا يسلم لمن بلغ منهم حظه حتى يبلغوا كلهم وهذا مما يبطل الحيازة؛ لأنه إن بلغ فلم يدفع إليه حظه، ومات وهو في يديه بطلت الصدقة في حظه، وفي المسألة وجه ثالث يصحح الكراهة، وهو اشتراط ذلك حتى يبلغوا، وقد يَبْلُغُوا وهم لا تُرْضَى أحوالهم ولا تجوز أفعالهم، فبِطل أن يكون الشرط صحيحا، ولو اشترط أن له أن يحُوزَ لكل واحد منهم حظه حتى يبلغ ويملك أمر نفسه لَتخلِّصَ من هذه المعاني كلها وصح اشتراطه، ولم يكن فيه وجه للكراهة، والله أعلم وبه التوفيقَ.

.مسألة حكم العمرى:

من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون بن سعيد من كتاب العتق قال أشهب: وسمعت مالكا وسئل عمن أعْمَرَ أمَّه عبدين حياتها وشرط إن مات قبلها فهما لها حياتَها وإن ماتت قبله فهما عليه رَد، ثم حضرته الوفاة قبلها فأعْتَقَ أحدهما، قال: لا يجوز ذلك إلا أن تجيز أمه ذلك، فإن أجازت ذلك وطاعت بعتقه جاز وعتق، ولم ينظر إلى ما يقول الورثة إن مرجعه إلينا وإن لم يجز عتق إذا ماتت أمه وكانت تلك البقية في ثلثه.
قال محمد بن رشد: حكم العُمرى أن تكون للمعمَر حياتَه عاش المعمِر أو مات قبل ذلك، فإذا مات المعمَر رجعت العمرى إلى المعمِر إن كان حيا، وإن كان قد مات رجعت إلى ورثته يوم مات، فقوله وشَرطَ إن مات قبلها فهما لها حياتَها، وإن ماتت قبله فهما عليه رَدٌ، ليس بشرط يُحِيلُ العمرى عن حكمها وسبيلها، وإنما هو بيان لحكمها، والمُعْمِر لا يملك من العبدين إذا أعمرهما أمه إلّا المرجع بعد وفاتها، وهو مجهول، إذ لا يدري متى تموت فيجوز له أن يهبه ويعتقه في صحته ولا يجوز له أن يبيعه إلا من أمه، ويجوز له أيضا أن يعتقه في مرضه إن حمله ثلثه، ويختلف فيما بَتَلَهُ المريض في مرضه هل ينظر فيه وهو مريض أو بعد موته، فقيل إنه ينظر فيه في مرضه فإن حمله الثلث عتق، وقيل إنه لا ينظر فيه إلا بعد موته إذ قد يذهب مالُه في مرضه فيكون للورثة في ذلك.
حُجّة من أجل أنه لا ينفذ قضاؤه بعد موته في أكثر من ثلث ماله، فرأى مالكٌ في هذه المسألة إن أجازت أمّه ذلك وطاعت بترك حقها في خدمته أن ينظر بذلك في مرضه، وُيعَجِّلَ له العتق إن حمل ثلثه المَرْجِعَ بأن يُقَوَّم على غرره، ولم ينظر إلى ما يقوله الورثة إن أرادوا ألا يُنْظَرَ فيه إلّا بعد موته، وهو معنى قوله: ولم ينظر إلى ما يقوله الورثة: إن مرجعه إلينا ورأى إن لم تجِزْ الأم ذلك لا ينظر فيه حتى تموت، إذ لا سبيل إلى تعجيل عتقه من أجل حقها في خدمته طول حياتها، فإذا مات نظر فيه، فإن حمل ثلثُه المرجعَ على غرره عتق جميعه بعد موتها، وهو معنى قوله: وإن لم تجز عَتَقَ إذا مات وكانت تلك البقية في ثلثه، يريد المرجع على غرره، وإن لم يحمل الثلثُ المرجعَ عتق منه بعد موتها ما حمل الثلث منه، فهذا معنى قول مالك في هذه المسألة ووجهُهُ مشروحا مبينا.
وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: هذا الكلام فيه نظر فتدبره والذي ينبغي إن لم يُجز الورثةُ ذلك أن يكون المرجع من الثلث أجازت الأم أو لم تجز، فإن أجازت عجل العتق، وإن لم تجز عجل بعد موتها.
وكلامه هو الذي فيه النظر؛ لأنه حمل قول مالك على غير وجهه، فتأول عليه أنه أراد بقوله: ولم ينظر إلى ما يقوله الورثة أنه يعجل له العتق إذا أجازت الأم وطاعت، وإن لم يحمل ثلثه المرجعَ، وهو تأويل خطأ لا يصح أن يُتَأَوَل مثلُهُ على مالك، ومعناه إنما هو ما ذكرناه من أنه لا ينظر إلى قولهم إن أرادوا تأخير النظر في تقويم المرجع في الثلث إلى أن يموت إذا أجازت الأم، فالمسألة صحيحة بينة مستقيمة لا نظر فيها ولا اعتراض وبالله التوفيق.

.مسألة يحبس الحائط صدقة على المساكين أيقسم على المساكين بينهم تمرا:

ومن كتاب الأقضية الثالث:
وسئل عن الرجل يحبس الحائط صدقة على المساكين أيقسم على المساكين بينهم تمرا أمْ يباع ثم يقسم ثمنا بينهم، فقال: ذلك يختلف، وذلك إلى ما قال فيه المتصدق، أو إلى رأي الذي يلي ذلك، واجتهاده إن كان المتصدقُ لمِ يقل في ذلك شيئا، إن رأى خيرا أن يبيع ويقسم ثمنه وإن رأى خيراَ أن يقسم تمره قسموه تمرا فذلك يختلف، وربما كان الحائط نائيا بالمدينة، فإن حُمِلَ أضَرّ ذلك بالمساكين حملُه، وربما كان في الناس الحاجة إلى الطعام فيكون ذلك خيرا لهم من الثمن فيقسم إذا كان هكذا فهو أفضل وخير، وهذه صدقات عُمر بن الخطاب منها ما يُباع فيقسم ثمنُهُ ومنها ما يُقسم تمرا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إن ذلك مصروف إلى اجتهاد الناظر في ذلك إن لم يقل المتصدق في ذلك شيئا، وإن قال فيه شيئا وَحَدّ فيه حَدّا وجب أن يتبع قوله في صدقته ولا يخالف فيه حَدُّهُ وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى في غنم له بأنها حبس على يتيمين ليسا من الورثة:

وسئل عن رجل توفي فأوصى في غنم له بأنها حبس على يتيمين ليسا من الورثة، وجعلها على يدي ابن له كبير، وقال: من مات منهما فلا حق له ومن ارتغب فلا حق له، فمات أحدهما، ثم ارتغب الآخر منهما فلمن تراها؟ فقال: ما أراها إلّا للآخر منهما، قيل له إنه حبسها عليهما لهذا منها قطيع عليه سِمَتُهُ ولهذا قطيع عليه سِمَتهُ وقال من مات فلا حق له فمات أحدهما ثم ارتغب الآخر فلمن تراها؟ فقال: ما أراها إلّا للآخر منهما، أرى هذا إنما أراد مثلَ ما يقول بعضُ الناس يحبس على الجماعة ويقول من هلك فلا حق له فأراها للآخر منهما، قيل له إنه قد كان في وصيته من ارتغب فلا حق له فقد هلك واحد وارتغب الآخر فخرج، وقد بلغ وصار رجلَا، فقال ما أرَاها إلا للباقي وأحرى به أن يرجع فلو وقفت هذه الغنم حتى يرجع هذا الذي ذهب، قيل له إن بعض العلماء قال: يُرْجَعَ على الوارث، فقال: والله ما أرى ذلك قد أوصى بها وحبسها فكيف ترجع على الوارث؟.
قال محمد بن رشد: قوله ارتغب واغترب سواء مثل جذب وجبذ وقيل ليس هو من المقلوب، وإنما هو مأخوذ من الرغبة في الشيء، والرغبة عنه، فمعنى ارتغب رغب عن سكنى البلد ورَغِبَ في سكنى سواه، فخرج إليه، وقال ابن لبابة أرْتَغبُ أتركُ، فالمعنى المرادُ مفهوم معلوم وإن اختلفت الألفاظ، وحمل قوله من اغترب فلا حق له أي لا حق في حين مغيبه لا أنه يسقط حقه بمغيبه جملة كالموت، فلذلك قال: فلو وقفت هذه الغنم حتى يرجع، وقوله في رواية أشهب هذه عنه: إن حظ الميت من الغنم وإن كانت مَوْسُومَة يرجع على صاحبه خلافُ قوله في رواية ابن القاسم عنه في أول سماعه إن حظ الميت من خدمة الخادم إذا حبسها على قوم مفترقين وقسم الخدمة بينهم ترجع إلى المحبس لا إلى أصحابه، فعلى قوله في سماع ابن القاسم يكون حظ الميت من اليتيمين من الغنم الموسومَة للمحبِس ويوقف حظ الغائب وحده حتى يرجع، وهذا القول هو الذي أنكره لما قيل له: إن بعض العلماء قاله، فقال والله ما أرى ذلك، قد أوصى بها وحبسها فكيف ترجع إلى الوارث؟ وقد يحتمل أن يكون إنما أنكر قول من قال: إن من اغترب يسقط حقه ويرجع إلى الوارث الذي له المرجع ولا يعود إليه إن رجع من اغترابه، على ظاهر قوله: ومن اغترب فلا حق له، إذ لم يقل إلا أن يرجع فهو على حقه.
فيتحصل في المسألة ثلاثةُ أقوال حسبما ذكرناه في سماع ابن اِلقاسم أحدها: أن حظ الميت من الغنم يرجع إلى المحبس ويوقف نصيب الغائب وحده كانت الغنم قد قسمها المحبس بينهما وَوَسم نصيبَه كل واحد منهما أو لم يقسمها، والثاني: أن حظ الميت منهما يرجع على صاحبه فيوقف جميعُ الغنم إذا غاب الثاني حتى يرجع فيأخذها، وهو قوله في هذه الرواية، والقول الثالث: الفرق بين أن يكون قد قسم الغنم بينهما أو لم يقسمها، فإن كان فد قسمها بينهما ووسم نصيب كل واحد منهما رجع نصيب الميت منهما إلى المحبس، ووقف للغائب نصيبه خاصة، وإن كان حبسها عليهما ولم يقسمها بينهما رجع نصيبُ الميت منهما إلى صاحبه ووقفت له جميع الغنم إذا غاب حتى يرجع، وهذا هو أظهر الأقوال والذي اختاره سحنون، وإذا وقفت الغنم كلها أو حظ الغائب منها كلى الاختلاف المذكور فالغلةُ في حين التوقيف للوارث الذي له المرجع، وقد قيل إن الغنم لا توقف وتدفع إلى الوارث يستغلها، فإن رجع الغائب رُدّتْ إليه الغنمُ يستغلها حتى يموت، فترجع إلى الوارث، وأما إن مات قبل أن يَرجع صحت للوارث مِلكا، وقد قيل إن الغلة توقف فإن رجع أفادها وإن مات كانت للوارث، وهذا القول قد أنكره في رسم الصبرة وبَيّن وجهَ فساده وبالله التوفيق.

.مسألة حبس على أمه وصيفة له حياتها فحازتها:

ومن كتاب البيوع الأول:
وسُئِلَ عمن حبس على أمه وصيفة له حياتَها فَحَازَتْها، ثم توفي ابنها وعليه دين فأرادت الأم أن تَبْتَاعَ مرجعَ الجارية من الغرماء لتكون لها الجارية بَتْلا أيصلح ذلك؟ فقال: لا، ولا يصلح شيء من ذلك حتى تموت فيتحاص فيها الغرماء.
قال محمد بن رشد: أجاز في رسم طلق من سماع ابن القاسم وفي غير ما موضع لمن أمْتَعَ شيئا حياتَه أن يشتري المرجعَ من الذي أمتعه المنافعَ حياتَه، وكذلك يجوز له أن يبتاعه من ورثته، ولم يجز في هذه الرواية أن يشتري الذي أخدِمَ الجاريةَ حياتَه مرجعَها من الغرماء، فقيل: إن ذلك اختلاف من القول، وقيل بل تفترق المسألتان، وقد مضى القولُ على هذا مستوفى في رسم شك من سماع ابن القاسم فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

.مسألة حبس دارا له على أقاربه اثنا عشرة سنة ثم مات بعد شهرين:

وسئل عمن حبس دارا له على أقاربه اثنا عشرة سنة ثم مات بعد شهرين فَجَاءَ آتِ إلى الورثة فقال: بيعوني مرجع هذه الدار، فقال: لا يعجبني هذا لعل الدار ترجع متهدمة أو غير ذلك لا يدري كيف ترجع، واثنتا عشرة سنة كثيرٌ، أرأيت لو كان ذلك عشرين سنة أو ثلاثين سنة، ولكن لو كان شيء يسير، قيل له ألَيس للرجل أن يَتَكَارَى الدارَ اثنا عشرة سنة، فإن أصابها شيءٌ رجع فأخذ منه كراءَه؟ قال: بلى، قيل له كيف لا يشتريها بعد عشر سنين؟ قال له مالك: أليس يستأجر العبدَ سنة؟ فقال: بلى، فقال مالك: فيشتريه بعد سنة، لا يصلح هذا، قلت له أرأيت إن اشترى مرجعَ الدار بعد اثنتا عشرة سنة ولم ينقد حتى ترجع الدار، فقال: ما يعجبني هذا نَقَد أولم يَنْقُد، هذا بعيد.
قال محمد بن رشد: إذا لم يجز أن يبتاع مرجع الدار بعد اثنتا عشرة سنة لأن البناء يتغير عنده إلى هذه المدة فلا يدري كيف ترجع الدار فلا فرق في هذا بين أن ينقد أو لا ينقد، وكذلك على هذا لا يجوز لمن باع داره أن يستثني سكناها اثنتا عشرة سنة، إذ لا فرق بين أن يستثني البائع السكنى أو يكون لغيره فيشترطه على المبتاع، ومثل هذا في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ بعد هذا في العشرة الأعوام، وقد اختلف في ذلك فتقوم إجارته من مسألة كتاب العارية من المدونة في الذي يستعير الأرض من الرجل على أن يبنيها ويسكنها عشر سنين، ويكون البناء لصاحب الدار أن ذلك جائز إذا بَيّن البُنيَانَ على ما قاله بعض أهل النظر.
والصوابُ أن مسألة العارية من المدونة صحيحة خارجة من الاختلاف؛ لأن كل ما بَنَى المستعير شيئا وجب لصاحب العرصة، فلا غرر في ذلك وإن طالت المدة، وَأجَازَ ذلك أيضا ابنُ القاسم في كتاب ابن المواز ومثلُه لابن شهاب في المدونة، وقد قيل: إن أبعدَ ما يجوز من ذلك السنةُ، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب السلم والآجال، وروى ابنُ وهب عن مالك السنةَ ونصفا، وروى عن سحنون الثلاثةُ الأعوام، يقوم من قوله في سماع أبي زيد من كتاب طلاق السنة إجازةُ الخمسة الأعوام من مسألة الذي يشتري الدار ويشترط عليه فيها سكنى المرأة طول عدتها فَتُسْتَرَابُ أنه لا كلام للمشتري في ذلك إلى انقضاء الرِّيبَةِ وهي الخمسة الأعوام؛ لأن المشتري قد تقدم على ذلك، وأما الأرض فيجوز فيها استثناء العشرة الأعوام عند ابن القاسم على ما وقع له في سماع أصبغ بعد هذا، وقال المغيرة: يجوز في الدار العشرةُ الأعوام وفي الأرض السنين ذوات العدد، وهذا الاختلاف إنما يرجع إلى ما يغلب على الظن أن البناء يتعير فيه، فمرة رأى أنه لا يُؤمَنُ تغيُرُه في أكثر من عام، ومرة رأى أنه لا يُؤمَنُ تغيره في أكثر من عشرة أعوام ويؤمن في العشرة فما دونها، وينبغي أن يُنْظَرَ في هذا إلى جَوْدَةِ البناء ووثاقته، فرب بناء يتغير في أكثر من عام، ورب بناء لا يتغير في العشرة الأعوام وبالله التوفيق.

.مسألة حبس غلاما له على ابنه حتى يستغني:

ومن كتاب الأقضية:
وسُئِلَ عن رجل حبس غلاما له على ابنه حتى يستغني ما حَدُّ الاستغناء؟ قال: يلي مالَه ونفسَه وتلا هذه الآية: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء: 6].
قال محمد بن رشد: هذا بيّن إن كان حبَّسه عليه ليتصرف له فيما يحتاج إليه من حَوائجه فيكون معنى الاِستغناء أن يستغني بذاته عنه فيما يحتاج إليه من أموره، ولو كان عبدا للخدمة فحبسه عليه ليخدم له في صنعته الخدمة التي لا تُشْبِهُ أن يَلِيها هو بنفسه لكان وجه الاستغناء في ذلك أن يقدر على العِوَضِ منه بوجه من الوجوه، وبالله التوفيق.
تَمَّ الأول من جُزْئي كتاب الحبس بحمد الله تعالى.

.كتاب الحبس الثاني:

.مسألة حبس داره على ولده وقال لفلان ريعها لأحدهم في حبس واحد وكلام واحد:

كتاب الحبس الثاني من سماع عيسى من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: وسئل ابن القاسم عن رجل حبّس داره على ولده، وقال لفلان ربعُها لأحدهم في حبس واحد وكلام واحد؛ إنه ليس له منها إلّا الربع الذي سمى له، ولو أنه حبس عليه حبسا ثم حبس بعد ذلك حبسا آخر على جميع ولده أنه يدخل معهم.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال في المسألتين جميعا لأنه إذا حبس على ولده وقال ربعها فقد جعل الثلاثة الأرباع لسائِرِهِم قَلوا أو كثروا، وإذا حبس عليه حبسا ثم حبس بعد ذلك حبسا آخر على جميع ولده وجب أن يدخل معهم لأنه من ولده، وبالله التوفيق.

.مسألة حبس حبسا على قوم وهم متكافئون في الغنى والإقلال:

وقال فيمن حبس حبسا على قوم وهم مُتَكَافِئُون في الغِنَى والإقلال، قال: أرى أن يجتهد في ذلك ليسكن فيها من رأى، أو يُكْرِيَها فيقسم كراءها عليهم، قيل له فإن سبق بعضهم إليها فسكن؟ قال: من سبق فهو أولى ولا يُخرج منها.
قال محمد بن رشد: معناه في غير المعينين مثل أن يحبس على أولاده أو أولاد فلان، وأما إن كان الحبس على قوم بأعيانهم مسمين ليس على التعقيب فلا يستحق السكنى من سبق إليه منهم، كلهم فيه وفي غيره سواءٌ، حاضرهم وغائبهم، قاله ابن القاسم، قال محمد: وفقيرهم وغنيهم سواء، ولا اختلاف أعلمه في هذا وبالله التوفيق.

.مسألة كل ما كان يرجع حبسه فهو أقرب الناس به يوم يرجع من ولد أو عصبة:

وقال ابن القاسم في الحبس، قال: كل ما كان يرجع ميراثا فهو على أقرب الناس في يوم يموت، وكل ما كان يرجع حبسه فهو أقرب الناس به يوم يرجع من وَلَدٍ أو عصبة، فإن كانوا بنات وعصبة فهو بينهم إن كان فيه سعة، فإن لم يكن فيها سعة فالبنات أولى بها من العصبة، وأقْعَدُ من العصبة، إلَا أنهن لا يَحُزْنَ وتدخل معهن الأم؛ لأن لها حقا ولا ترجع مَعَهُنَّ زوجة.
قلت: فإن لم يكن له أم وكانت له جدة أتكون بمنزلة أُمٍّ، أَم لَا؟ قال: أرى ذلك، وقال: إذا اشترط مرجعها إليه فإنها ترجع ميراثا بين ورثته يوم يموت، وأما إذا لم يشترط فإنها ترجع حبسا على عصبته وأقرب الناس إليه يوم يرجع.
قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة: كل ما كان يرجع ميراثا فهو على أقرب الناس به يوم يموت، ليس على ظاهره، والمراد به فهو على أحق الناس بميراثه يوم يموت على ما قال بعد ذلك، وإذا اشترط مرجعها إليه فإنها ترجع ميراثا بين ورثته يوم يموت، وهذا مَا لَا اختلاف فيه أن ما كان يرجح ميراثا فهو على أحق الناس بميراثه يوم مات، وأن ما كان يرجع حبسا فهو على أقرب الناس به يوم يرجع، وقد وقع في كتاب الهبات في المدونة في هذه الألفاظ غير بينة ترد بالتأويل إلى هذا الذي ذكرناه؛ إذ لا اختلاف فيه.
وقوله: إن البنات أحق بمرجع الحبس من العصبة إذا لم يكن فيه سعة صحيح؛ لأنهن أقرب إلى المحبس من عصبته، وقوله إلا أنهن لا يحيزون معناه أنه لا ينفردن بالمرجع دون من هو من المحبس بمنزلتهن، وهي الأم على ما ذكره؛ لأنها أقرب النساء إليه من فوق، كما أنهن أقرب إليه من أسفل، فتدخل معهن فيه الأم لاستوائها معهن في القرب حسبما وصفناه، ويكون بينهن على عددهن إن كانت البنات ثلاثا كان للأم معهن من المرجع الربع.
وقوله: فإن لم تكن له أم وكانت جدة أتكون بمثابة أمّ، أم لا؟ قال: لا أرى ذلك، معناه أنها لا تكون بمثابتها فتدخل مع البنات في المرَجع؛ لأنها أبعد من المحبس منهن، لا أنها لا تكون بمثابة الأم إذا لم يكن المحبس أقربَ إليه منها؛ لأن الأم إذا دخلت في مرجع الحبس على القول بأنها تدخل فيه فأمه أيضا تدخل فيه، وقد قيل معناه أنه لا دخول للجد في مرجع الحبس بخلاف الأم، والأول أظهر والله أعلم، وكذلك تدخل الأم مع بني المحبس الذكر كما تدخل مع البنات على هذه الرواية، وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم تحصيلُ الاختلاف فيما يرجع حبسا هل يدخل فيه النساء أم لا؟ ومن يدخل فيه منهن إِن دخل وباللَّه التوفيق.

.مسألة الحبس ليس بملك للمحبس عليه:

ومن كتاب استأذن سيده في تدبير جاريته:
وسألته عن الرجل يُحَبِّسُ على أولادٍ له صغار وكبار دارا ووكَّل عليها من يحوزها لهم ويكريها، وكيف إِن قال أولاده الكبار نحن نَحُوزها لأنفسنا؟ قال: لا يكون ذلك لهم، وهي على ما وضعها عليه، قلت أيكون ذلك إليه ما عاش المحبس وبعد موته؟ قال: نعم، ذلك إليه ما عاش، قلت فإذا مات فله أن يسنده إلى أحد؟ قال: لا، إذا مات وكان المحبس حيا كان ذلك إليه أيضا بجعله إلى من أحب، وإن كان قد مات نظر السلطان في ذلك فجعله إلى من رأى، وإن كان الكبار أهل رضى حَازوا لأنفسهم بعد موت الوكيل. قيل له: فإن مات الوكيل بعد موت المحبس وقد قال المحبس للوكيل: إن حدث بك حَدَثُ الموت فأسنده إلى من شئت، فمات فأسنده إلى غيره، قال: وصيته جائزة، وليس للكبار ولا للصَغار في ذلك كلام، قيل له فإن كان لم يقل له إذا مت فأسنده إلى من شئت، فمات الوكيل بعد موت المحبس وقد أوصى المحبس إلى رجل بتركته أَيكونُ الوصيّ الناظرَ للصغار؟ قال يكون ذلك إليه ويكون مكانه، وروى أصبغ عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الحبس ليس بملك للمحبَّس عليه كالهبة التي هي ملك للموهوب له، فلا يصح للواهب أن يجعلها له على يدي غيره إذا كان كبيرا وإنما يَغْتَلُّهُ المحبَّسُ عليه على ملك المحبس فللمحبس أن يوكل عليه من يحوز للكبير ويجْرِي عليه غلته ويحوز عليه في حياته وبعد مماته في ذلك، وكذلك إن كان المحبس عليهم صغارا وكبارا فليس للصغار منهم إذا كبروا أن يَحُوزُوا لأنفسهم في حياة المحبس ولا بعد موته.
ولو كانوا صغارا كلهم يومَ وَكَّل الوكيلَ على القبض لهم كان لهم إذا كبروا أن يقبضوا لأنفسهم، قال محمد بن المواز، وحكمه حكم الوكيل في أنه ليس له أن يوكل غيره ولا أن يوصي بذلك إلا أن يجعل ذلك إليه، وينزل وصي المحبس منزلة الوكيل على الحبس في النظر فيه بعد موت الوكيل لما ذكرناه من أنه إنما يغتله على ملكه، فوجب أن ينظر فيه الوصي كما ينظر في سائر مال من أوصى إليه، ولو قال له إذا مت فأسنده إلى من شئت فمات فأوصى إلى رجل بالنظر في ماله وعلى من يصح له التقديم عليه من بنيه لكان له النظر في الحبس الذي كان وكل على النظر فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة يحبس مائة دينار على وارث ثم على رجل من بعده:

وسئل: عن الرجل يحبس مائة دينار على وارث ثم على رجل من بعده، قال: يقسمها الورثة على قدر سهامهم من الميت، فينتفعون بها حتى يموت الوارث الذي حبست عليه، فإذا مات رجعت إلى الأجنبي الذي حبست عليه بعد الوارث، فإذا مات الذي حبست عليه بعد الوارث رجعت ميراثا بين من ورث الميت المحبس يقتسمونها على فرائض الله، فمن مات ممن ورث الميت المحبس فحقه لورثته.
قلت: ولا يرجع حبسا؟ قال: لا يرجع عليه حبسا، ولا يرجع حبسا إلا الدور والعبيد ونحوهم؛ لأن مالكا قال لي: لو أن رجلا حبس مائة دينار على رجل فأخذها فنقصت عنده أو ضاعت كان ضامنا لها، فليست الدنانير والدراهم حبسا.
قلت: أرأيت من حبس حليا أو ثيابا أو شيئا مما يغاب عليه أهو بمنزلة الدنانير والدراهم؟ وهل يصدق في ذلك الذي حبس عليه إذا قال ضاع مني؟ قال: بل أراه ضامنا ولا يصدق فيما ادعاه من هلاكه، ألا ترى أن المحبس كان بمنزلة السلف في الدنانير، ألا ترى لو أن رجلا أعار رجلا ثوبا سنة فضاع منه في السنة كان ضامنا، فإنما حبس ما يغاب عليه مثل العارية التي يغاب عليها أو السلف.
قال محمد بن رشد: قوله إلا الدور والعبيد ونحوهم خلاف ما مضى في رسم البز من سماع ابن القاسم في العبيد؛ لأنه قال فيه في الأمة إنها لا ترجع بمرجع الأحباس خلاف الدور، وقد مضى الكلام على هذا المعنى، وما يتعلق به مما هو في معناه مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.